• فقاعة الأسهم الأمريكية مهددة بالانفجار

    25/11/2018

    هل تقترب "فقاعة" أسواق الأسهم الأمريكية من الانفجار؟ أم أن التقلبات الراهنة في السوق أمر طبيعي ومعتاد؟ تلك هي الأسئلة التي يطرحها كبار المستثمرين ويتباحث بشأنها المختصون عند حديثهم عن مستقبل سوق الأسهم الأمريكية.
    في يوم الثلاثاء الماضي تعرضت البورصة الأمريكية لهزة، إذ استمرت عمليات البيع على نطاق واسع في سوق الأسهم، خاصة لدى شركات التكنولوجيا التي تعرضت لخسائر ملحوظة. وخسر مؤشر داو جونز الصناعي 550 نقطة ليغلق متراجعا بنسبة 2.2 في المائة متأثرا بشركة "أبل" التي هوت أسهمها بنحو 5 في المائة، وتراجع مؤشر ستاندرد آند بورز الأوسع انتشارا بنحو 500 نقطة وفقد قرابة 1.8 في المائة، في حين انخفض مؤشر ناسداك 1.7 في المائة ليصل إلى أدنى مستوى منذ شهر شباط (فبراير) الماضي.
    في اليوم التالي تعافت الأسهم نسبيا خاصة في الجلسات الصباحية، وتوقفت عمليات البيع التي شهدتها البورصة في اليوم السابق، وارتفع مؤشر داو جونز 164 نقطة.
    ومع هذا ظلت المخاوف مهيمنة على السلوك العام للمضاربين في الأسواق الأمريكية، وبحلول الخميس، وصلت المخاوف إلى الضفة الأخرى من الأطلسي، تعززها في ذلك الغيوم التي تحيط بقضية بريطانيا وخروجها من الاتحاد الأوروبي، وأغلق المؤشر الرئيسي في بورصة لندن فوتسي 100 بنحو 1.19 في المائة.
    ويصبح التساؤل: كيف تقرأ الأسواق الحركة الراهنة في سوق الأسهم؟ ولفهم المشهد بتطوراته المختلفة استطلعت "الاقتصادية" أراء مجموعة من المختصين الاقتصاديين خاصة في مجال البورصة.
    ويرى كومار كامبل المحلل المالي في بورصة لندن أن التراجع سواء في البورصة الأمريكية أو بورصة لندن ارتبط بمجموعة من العوامل، مشيرا إلى أن "تفاقم الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، بعد الفشل الذي منيت به قمة المنتدى الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ "آبيك"، ومخاوف تجدد الصدام الأمريكي الصيني مرة أخرى في قمة مجموعة العشرين، والقلق المحيط بوضع شركة "أبل" بعد أن هبطت أسهمها 6.7 في المائة، ما أدى إلى انخفاض قيمتها السوقية لأقل من تريليون دولار، وترافق ذلك مع الأوضاع غير المريحة بشأن الطلب على جهاز آيفون، مصدر الربح الأساسي للشركة، والموقف الإسباني المهدد بإفشال اتفاق الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي، إذا لم يكن هناك اتفاق بشأن وضع جبل طارق، أضف إلى ذلك مخاوف واسعة النطاق بشأن قوة الاقتصاد العالمي، جميعها عوامل توجد حالة من عدم الاستقرار في سوق الأسهم".
    وعلى ذلك، فإن غياب المحفزات الإيجابية في الأسواق، لعب الدور الأكبر في تراجع أسواق الأسهم سواء في الولايات المتحدة أو على الضفة الأخرى من الأطلسي.
    إلا أن البعض يعتقد أن الخسائر التي منيت بها الأسواق أخيرا، ربما لا تعكس "حالة من الذعر" بين المستثمرين، بقدر أنها تعكس شعورا تشاؤميا تجاه المستقبل، يمكن أن يتطور في ظل تزايد القناعات لدى بعض المحللين بأن مرحلة الانتعاش التي شهدها الاقتصاد الأول في العالم ربما دخلت مرحلة التآكل.
    وتقول الدكتورة هلين توم أستاذة الاقتصاد الدولي، "إن الانتعاش الذي شهدته أسواق الأسهم في الفترة الماضية كان معبرا عن وضع تفاؤلي في الأسواق بشأن المستقبل الاقتصادي، كما أن الاقتصاد القوي وفر الحماية للبورصات، والآن أغلب تأثير المحفزات التي قدمها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب للاقتصاد الأمريكي ستتراجع أو حتى تزول بنهاية عام 2019 أو أوائل عام 2020، وربما يشهد الاقتصاد الأمريكي مزيدا من التباطؤ فيما يتعلق بالنمو، تلك القناعات تتزامن أيضا مع فترة الأعياد في النصف الشمالي من الكرة الأرضية، ومن ثم بالنسبة إلى كثيرين من الأجدى جني الأرباح وعدم المخاطرة بمزيد من الاستثمار في الوقت الراهن".
    إلا أن بعض المختصين المصرفيين يحملون البنوك المركزية خاصة "الاحتياطي الفيدرالي" الأمريكي المسؤولية عن التراجع الجاري في سوق الأسهم، نتيجة رفع أسعار الفائدة ما أفقد الاستثمار في الأسهم بريقه المعتاد.
    ويعتقد إل. آر. ريتشارد مدير قسم المعاملات الخاصة في مجموعة "نيت ويست" المصرفية، أن "رفع الفائدة المصرفية جعل الاقتراض أكثر تكلفة للشركات، وأضعف قدرتها إلى حد كبير على الاقتراض والتوسع، ومن ثم خفض معدلات الأرباح، وأفقد الاستثمار في البورصة بريقه مقارنة بالودائع المصرفية.. وربما يزداد الوضع تدهورا في النصف الأول من العام المقبل حيث يخطط "الفيدرالي الأمريكي" لمزيد من رفع أسعار الفائدة، وهذا يقود إلى توقع عمليات بيع واسعة النطاق العام المقبل خاصة في قطاع الشركات التكنولوجية وبعض شركات التجزئة الكبرى".
    إلا أن ريتشارد يستبعد أن تشهد الأسواق انهيارات ضخمة أو حالة من الذعر التي تدفع المستثمرين إلى "حرق" استثماراتهم لسرعة الخروج من السوق، ويستدرك قائلا "فكرة أن هناك فقاعة في أسواق الأسهم العالمية، ربما كان تعبيرا مبالغا فيه بعض الشيء، هناك مؤشرات إيجابية دفعت بالمستثمرين خاصة صغار المستثمرين للإقبال على الأسواق في الفترة الماضية، الخسائر التي قد تتعرض لها شركات التكنولوجيا مستقبلا لا تعني انهيارها، إذ إن الاحتياطي المالي لديها يقارب ترليوني دولار".
    ووسط الجدل المتصاعد حول الأوضاع الراهنة في سوق الأسهم، ومستقبل البورصات العالمية، يحمل جل المختصين الذين استطلعت "الاقتصادية" آراءهم المسؤولية للحرب التجارية المتصاعدة بين الولايات المتحدة والصين.
    وتجمل الدكتورة ماندي ملياند أستاذة التجارة الدولية المشهد، بأنه "لم يكن من المفاجئ أن توجه الصفعة الأولى في سوق الأسهم لشركات التكنولوجيا، فحروب التعريفة الجمركية بين واشنطن وبكين، انعكست سلبا على الطلب الصيني من المنتجات الأمريكية خاصة المنتجات التكنولوجية".
    وتضيف "بالطبع قاعدة المستهلكين في الصين لا تزال قوية وقادرة على الاستهلاك بمعدلات جيدة جدا، فنمو مبيعات التجزئة بلغ 8.6 في المائة وهذا أعلى بكثير من الزيادة السنوية في الولايات المتحدة التي بلغت 4.6 في المائة في شهر تشرين الأول (أكتوبر)، والصينيون ينفقون أكثر على السفر والرعاية الصحية وتناول الطعام خارج المنزل، ومع هذا يمكننا القول إنهم في وضع يمكن وصفه بالبرود، بمعنى أنهم يفضلون الإبقاء على أموالها في حساباتها المصرفية لأن الأوضاع المستقبلية غير مريحة نتيجة الضغوط الناجمة عن الحرب التجارية".
    وتبدو آفاق الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين مفتوحة على جولات أخرى مستقبلية، ويعزز ذلك مخاوف عديد من الشركات على الجانبين، وربما تكون مشاعر الخوف والقلق تجاه المستقبل التي تنجم عن تلك الحرب، أكثر تأثيرا وضررا على سوق الأسهم، مما تسببه الخسائر الفعلية للحرب التجارية على البورصة.
    ولا يخفي عديد من الاقتصاديين قناعتهم بأن مواصلة تلك الحرب مع الارتفاع المستمر في أسعار الفائدة، ربما تدفع سوق الأسهم إلى فقدان جاذبيتها الاستثمارية خلال العام المقبل، بما قد يؤدي الى تهديدات حقيقية بحلول عام 2020 خاصة إذا بدأت الحوافز المالية الناجمة عن الإجراءات الاقتصادية التي اتخذتها الإدارة الأمريكية في التلاشي.